قال صاحب السمو الأمير فيصل بن عبدالله بن محمد آل سعود وزير التربية والتعليم: " إن التغيرات المتسارعة التي يشهدها عالمنا اليوم تفرض ضغوطا متزايدة لإعادة ترتيب أولويات النظم التعليمية بما ينسجم مع متطلبات التحول نحو مجتمع المعرفة بوصفه القوة المحركة الكبرى لعمليات التطوير الشامل للتعليم" مشيراً سموه إلى سعي الدول المتقدمة منذ أكثر من عقدين إلى مراجعة أهدافها وخططها وبرامجها وباشرت بتطويرها لتهيئة بيئة تعليمية ذات جودة عالية قادرة على تنمية رأس المال البشري الذي يمثل المصدر الأول للثروة في المجتمعات المعرفية الناشئة. جاء ذلك أثناء افتتاح سموه مساء اليوم الأحد 6/3/1433هـ في فندق" الرتز كارلتون" بالرياض ورشة العمل الإقليمية الخاصة بتحسين الجودة الشاملة للتعليم العام في الوطن العربي . وأضاف سموه أن من نتائج هذا التحول ظهور جملة من التحديات التي لامست وبشكل مباشر جوهر النظم التعليمية المبنية على مقاييس العصر الصناعي في الدول النامية والتي بلغت طاقتها القصوى ولم تعد قادرة على الاستجابة لمتطلبات مجتمع المعرفة في ظل التطورات التقنية المتلاحقة ,والعولمة والتنافسية ,وارتفاع معدلات التغيير, وانفتاح السوق ,وتنامي ثقافة الجودة والتميز؛ مما أدى إلى ظهور ما يسمى بالفجوة المعرفية بين المجتمعات المنتجة للمعرفة ,والمجتمعات المستهلكة لها وتشير الإحصاءات والبيانات الصادرة عن المنظمات الدولية ذات العلاقة وتقارير التنمية الإنسانية إلى أن هذه الفجوة المعرفية في اتساع إضافة إلى الصعوبات في علميات تصدير المعرفة وتبادلها. وأكد سموه على أن جودة التعليم هي إحدى أهم التحديات التي تواجه الأنظمة التربوية العربية وغيرها والتي يجب التعامل معها برؤية إستراتيجية متطورة لتجسير الفجوة المعرفية استعدادا للقيادة المعرفية, ولمواكبة ركب رهان التنمية المستدامة في إعداد موارد بشرية مؤهلة وقادرة على المشاركة في زيادة معدلات الإنتاج والإبداع والاستثمار, ولتنمية سوق العمل المعرفي العربي. موضحاً سموه أن المملكة وضعت على قمة أولوياتها الوطنية جودة التعليم العام وتهيئة البيئة التربوية المحفزة للإبداع والتميز, وخصصت لها الاعتمادات المالية الكبيرة إيماناً منها بأن الاستثمار في الإنسان السعودي هو أهم الاستثمار في القرن الحادي والعشرين ومصدر ثروتها الأولى , مبيناً قيام وزارة التربية والتعليم في هذا الإطار بتنفيذ جملة من المبادرات النوعية من خلال خطة إستراتيجية طموحة لتحسين جودة التعليم العام وتوجيهه نوعياً نحو تعزيز الاقتصاد المعرفي والتمكن من أدواته ، كما تم تنظيم المؤتمر الدولي الأول للجودة الشاملة للتعليم العام برعاية كريمة من خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله - لتعزيز جهود الوزارة الرامية إلى تطوير التعليم وإلى تحقيق التوجيهات السامية الكريمة التي تؤكد على أهمية تطبيق معايير الجودة والتميز لكافة القطاعات الإنتاجية والخدمية الحكومية والخاصة والاستفادة من أفضل التجارب والتطبيقات العالمية الرائدة في مجال الجودة وتوظيف أفضل الممارسات لتحقيق الرؤية الوطنية بأن تكون المملكة العربية السعودية بمنتجاتها وخدماتها معياراً عالمياً للجودة والإتقان . وأشار سموه في كلمته إلى ماحققته المملكة من تقدم ملموس على مستوى الأهداف الستة التي حددها المنتدى العالمي للتربية في مؤتمر داكار عام 2000م الذي حظي بإشادة عربية ودولية وبخاصة الأهداف المتعلقة برعاية وتنمية الطفولة المبكرة, وتعميم التعليم الابتدائي, والوصول إلى برامج مناسبة للتعلم ولاكتساب مهارات الحياة, وتحسين مستوى القرائية لدى الراشدين ، وتكافؤ فرص التعليم بين الجنسين, وتحسين جودة التعليم بما يحقق التميز للجميع . والتي كان لها دور هام في المبادرة لإنشاء مركز إقليمي للجودة والتميز تحت مظلة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) لدعم عمليات تطبيق الجودة الشاملة والتميز ونشر ثقافتها في التعليم العام في الوطن العربي الكبير ، يكون مقره المملكة العربية السعودية بناءً على توفر الدعم الكبير من قيادتنا الرشيدة ، بالإضافة إلى القدرات البشرية المؤهلة من أبناء وبنات المملكة ، ولوجود بنية مؤسسية داعمة لتعميم ثقافة الجودة والتميز في القطاعين الحكومي والخاص . وأبان سموه أن الشراكة مع منظمة اليونسكو في تأسيس المركز الإقليمي للجودة والتميز من الفئة الثانية سيضمن تقديم الخبرة العالمية في مجالات جودة التعليم المتعلقة بالبحث والتطوير وبناء القدرات وإعداد القيادات , وإجراء الدراسات والاستشارات والاعتماد التربوي , وتطبيق الشراكة التربوية والمجتمعية والدولية مع المؤسسات التربوية والأكاديمية غير الربحية والمراكز البحثية ومؤسسات المجتمع المدني المعنية بتطوير جودة التعليم العام والعمل كذلك على تحسين جودة التعليم من خلال اعتماد معايير الجودة والتميز العالمية لجميع مكونات منظومة العمل التربوي . مؤكداً سموه على التزام المملكة العربية السعودية بتوفير المقومات اللازمة لتمكين المركز بما يتلائم مع طابعه الإقليمي ، والتطلع إلى مزيد من التعاون مع المنظمات الدولية وفي مقدمتها "منظمة اليونسكو" ، وقدم سموه جزيل الشكر والعرفان لسمو الأمير سعود بن عبدالله بن ثنيان آل سعود رئيس الهيئة الملكية للجبيل وينبع على مبادرة الهيئة بتخصيص موقع لإنشاء المركز وتوفير ميزانية مالية كبيرة لبنائه ، وفقاً لأحدث معايير الجودة العالمية في هذا المجال . من جانبها قالت معالي النائب لتعليم البنات الأستاذة نوره الفايز في الكلمة التي القتها بهذه المناسبة : " إن الاستثمار في رأس المال البشري هو من أهم المرتكزات الأساسية التي تراهن عليها الدول المتقدمة لتطوير اقتصادها وتنويعه، وزيادة قدرته التنافسية من أجل تحقيق التنمية المستدامة. ولكي تحقق مسيرة التنمية المستدامة أهدافها، عملت تلك الدول على تطوير نظمها التعليمية، وتطبيق برامج لضبط ومراقبة جودتها، وتحسينها بشكل فاعل ومستمر". مؤكدة أن التعليم هو الأداة الرئيسة التي تعتمد عليها الدول بمختلف مستوياتها في تحقيق التنمية الشاملة لمجتمعاتها. ويجب أن ندرك أن مسارات تطوير التعليم قد تغيرت جذرياً على المستوى العالمي، وتحديداً بعد انتقال مفهوم الجودة من قطاع الصناعة، إلى مفردات التربية والتعليم، بحيث أصبحت جودة النظم التربوية مؤشراً حقيقياً ومعياراً دولياً لتقويم وتصنيف فاعلية المؤسسات التربوية، ومطلباً أساسياً لرفع قدرتها التنافسية، ومحدداً مهماً لنوعية المهارات التي ينشدها النظام التربوي في مخرجاته البشرية من المتعلمين، لتكون قادرة على إنتاج المعرفة والوصول إلى مصادرها والتعامل السليم معها وتوظيفها في الحياة الواقعية. وطالبت معاليها بأهمية إعادة النظر في دور مؤسسات التعليم العام في ضوء متطلبات مجتمع المعرفة، والمشاركة بإرادة واعية في السباق العالمي نحو الجودة والتميز، الذي يدفعنا لأن نقيِّم خدماتنا التربوية أولاً بأول، وأن نقارن ما نقدمه بأرقى التجارب والممارسات العالمية في إطار من الشفافية والوضوح. وأضافت الفايز أنه على الرغم من النجاح الذي حققته النظم التعليمية العربية في تهيئة فرص التعلم لجميع أبنائها، إلا أنها مازالت تعاني من مشكلات وتحديات كبيرة تحول دون تحقيق طموحاتها في تحقيق الجودة الشاملة للتعليم العام، ومع قناعتنا أن إحداث التغييرات الفاعلة في البيئة المدرسية العربية باتجاه تحقيق الجودة الشاملة، بحاجة إلى وقت، وإلى إعادة هندسة لجميع مكونات النظام المدرسي، وإلى تعلُم وشراكة حقيقية بين أطراف العملية التعليمية من جهة، وشراكة واعية مع مؤسسات المجتمع و القطاع الخاص من جهة أخرى؛ إلا أن هناك حاجةً ماسة إلى إنشاء مرجعية مؤسسية للجودة والتميز لتعزيز التنسيق والتعاون العربي والإقليمي في هذا المجال، ولتسهم في توفير إطار عالمي تتضافر فيه كل الجهود لتبادل الأفكار الإبداعية والممارسات الخلاقة لتصبح حلول المشكلات التي تواجه تطبيق الجودة في التعليم ممكنة وقابلة للتطبيق، ولبناء القدرات اللازمة لتحويل المدرسة العربية من النمط التقليدي المقتصر على التعليم إلى مؤسسة تربوية متعلمة تهيئ بيئة جاذبة للتعلم، وتقدم خدمة تعليمية متميزة تتسع بمرونتها لاستيعاب أية متغيرات، وتتواءم في الوقت ذاته مع ظروف مجتمعاتنا العربية وتطلعات دولنا. وقالت معالي النائب إن الورشة الإقليمية لتحسين الجودة الشاملة للتعليم العام في الوطن العربي تأتي استكمالاً للزخم الذي حققناه في العام الماضي من خلال المؤتمر الدولي الأول للجودة الشاملة في التعليم العام، ومنسجمة مع توجهات الوزارة في تنمية الإبداع والتميز والتجديد في بيئة العمل التربوي. وتهدف إلى التعريف بالمركز الإقليمي للجودة والتميز في التعليم العام المقرر إنشاؤه في المملكة العربية السعودية بالتعاون مع منظمة اليونسكو، وتبادل الآراء والمقترحات مع خبراء الجودة العرب حول أفضل السبل والممارسات المتعلقة بتفعيل برامج المركز إقليمياً بما يسهم في نشر ثقافة الجودة، وتحسين البيئة التربوية المحفزة للتميز والإبداع في المدارس العربية. وأوضحت الفايز أن رؤية المركز الإقليمي للجودة والتميز أتت من أهمية وجود مرجعية مؤسسية متخصصة في الجودة والتميز للتعليم العام لتكون بيت الخبرة في الوطن العربي ، لتحقيق الريادة العالمية في هذا المجال. وتتمثل رؤية المركز في مساعدة نظم التعليم العربية على نشر ثقافة الجودة والتميز، وتطبيق نظم إدارة الجودة الشاملة في التعليم العام، وتعزيز القدرات الوطنيــة للدول العربية ، ولملء فجوات الموهبة والإبداع في هذا المجال. مبينة أن المركز عبارة عن مؤسسة تعليمية مستقلة، مختصة في الجودة والتميز في التعليم العام، وهو الأول من نوعه على المستوى المحلي و الإقليمي. ويعمل في إطار السياق القانوني للمملكة العربية السعودية. كما يعمل تحت مظلة منظمة اليونسكو فنياً باعتباره مركزاً للجودة والتميز من الفئة الثانية من حيث "المبادئ والخطوط التوجيهية " لإنشاء وتشغيل معاهد ومراكز اليونسكو. وتمتد خدمات المركز لتشمل جميع الدول العربية، كما يمكن أن يقدم خدمات فنية وتربوية و استشارية متخصصة لغيرها من الدول التي تتمتع بعضوية اليونسكو، وذلك بحكم قربها الجغرافي منه، أو بحكم طبيعة احتياجاتها في مجالات الجودة والتميز والتقويم المؤسسي.